عبد العزيز عتيق

27

علم المعاني

لقد سارت دراسة البلاغة قبل السكاكي على منهاج من عدم الفصل بين فنونها ، لما في ذلك من خدمة الأدب وإمداده بأسباب القوة والجمال والوضوح . وكان لهذا المنهاج أثره وقيمته في إيقاظ المواهب وإرهاف الملكات الفنية لصناعة الأدب ، وإقدار أصحابها على التذوق الأدبي والتمييز بين جيد الكلام ورديئه . ذلك كان مسار الدراسات البلاغية قبل السكاكي : تنبيه إلى مواطن الحسن والجمال من الكلام ، وشحذ لملكات صنّاعه الفنية ، ومحاولات للكشف عن العناصر الجمالية في البيان العربي ، وتربية لملكة الذوق ، وتمكين كل ذي موهبة أدبية من أن يقرأ ويفهم ، ويستحسن ويستقبح ، ويوازن ويفضل ، أو بعبارة أخرى من أن ينقد العمل الأدبي ويحكم عليه . في هذا المنهاج لم تكن محاولة الاهتداء إلى العناصر الجمالية في البيان العربي غاية في حد ذاتها بمقدار ما كانت وسيلة لشحذ الملكات ، وتنمية الذوق ، وإرهاف الحس ، وتكوين البلغاء والنقاد . وعلى العكس من ذلك كان منهاج السكاكي في دراسة البلاغة ، فقد أصّل منهاجه فيها على أسس منطقية حولت البلاغة من فن إلى علم له قواعده ونظرياته التي إن نجحت في تكوين طبقات من البلاغيين فقد فشلت في تكوين البلغاء . ومن هنا كانت خطورة منهاج السكاكي الذي يعد في تاريخ البلاغة بداية طور الجمود في دراستها . لقد خيل إليه أنه بمنهاجه المنظم المقنن يصلح من شأن البلاغة فإذا به من حيث لا يدري يفسدها ويسيء إليها . وشهرة السكاكي في البلاغة مصدرها القسم الثالث من كتابه « مفتاح العلوم » ، فقد أفرد هذا القسم من كتابه للكلام عن علمي المعاني والبيان ولواحقهما من البلاغة والفصاحة والمحسنات البديعية بنوعيها اللفظي والمعنوي . فمن خلال مجهودات البلاغيين من قبله وبخاصة عبد القاهر